علي بن أحمد المهائمي

310

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

وإنما صار المسمى الحق ؛ لأنه ( على الشهود ) أي : شهود الحق غير ؛ فإن فيه فلابدّ وأن ينعكس وقاية صورته في مرآة الحق عند مشاهدته الحق ، ويصير سمعه وبصره عين الحق يشاهد الكل ، ويسمع كلماتهم في مرآة الحق ( حتى يتميز ) في شهوده ( العالم عن غير العالم ) فإن غير العالم وإن ظهرت صورته في مرآة الحق لم يصر عالما إذ الصورة لا تصير من جنس المرآة . وإنما جعلت قوى هذا المنفي من جنس المرآة ؛ لأنها اكتسبت أولا صورة كاملة استعدت بها رؤية الحق ؛ فكانت الصورة الظاهرة في مرآة الحق كأنها عين المرآة بخلاف صورة غيره ، ويدل على هذا قوله تعالى : ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ الزمر : 9 ] ) فإنهما وإن كانا في مرآة الحق لكن ( إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ [ الزمر : 9 ] وهم الناظرون في لب الشيء ) ، فهؤلاء إنما صاروا متقين مشاهدين ؛ لأنهم لا ينظرون إلى صورهم ، ولو في مرآة الحق بل إلى لب الصور ، وهو الحق لأن لب الشيء عبارة عن الأمر ( الذي هو المطلوب من الشيء ) ، فكانوا طالبين مشاهدة الحق الذي هو لب الكل ، فانعكست صورهم إلى مرآة الحق ، فصار نظرهم إلى صورهم بالضرورة . ( فما سبق مقصر مجدا ) ، وإن استويا في عدم رؤية اللب لكن هذا المنفي المجد عالم باللب ، والمقصر غير عالم به فلا يستويان ( كذلك لا يماثل أجير عبدا ) أي : هذا المنفي المجد لما كان طالبا لرؤية اللب كان أجيرا ، والمنفي الأول لما لم يكن طالبا لشيء إذ لم يبقي شيئا حتى يبقى له طلب كان عبدا ، وكما لا يستوي المقصر مع المجد كذلك لا يماثل أجير عبدا ، ( وإذا كان الحق وقاية للعبد بوجه ) ، وهو كون الحق ظاهرا في مرآة العبد . ( والعبد ) باطنا ( فقل : في الكون ) أي : الموجودات الظاهرة ( ما شئت ) بالاعتبارات المختلفة ( إن شئت قلت : هو الخلق ، وإن شئت قلت : هو الحق ) أي : صورته ظهرت في مرآة الخلق باعتبار كون الحق وقاية ، ( وإن شئت قلت : هو الحق الخلق ) باعتبار ظهور كل في مرآة الآخر مع عدم تميز المرآتين ، فإن الأعيان إنّما تثبت في علم الحق الذي لا يغايره من كل وجه ، ( وإن شئت قلت : لا حق من كل وجه ، ولا خلق من كل وجه ) باعتبار تميز المرآتين من وجه ، وهو وجه تمايز العلم عن الذات ، ( وإن شئت قلت بالحيرة ) بأن تقول : لا يعلم ما الظاهر ، وما الباطن إذ الظاهر في مرآة صار باطنا باعتبار كونه نفس المرآة بنظر آخر ، إذا عرفت هذا ( فقد بانت المطالب ) ، أي : مطالب كل واحد من المعنيين ( بتعيينك المراتب ) أي : مراتب الثبوت باعتبار ذاته وظهوراته ، وأنّ التعيين مستلزم للتحديد ، فلا بأس بذلك . والدليل عليه أنه ( لولا التحديد ما أخبرت الرسل بتحول الحق في الصور ، ولا